مهرجـان المـتـنـبـي الشـعري العـالمي

لابد من الاعتراف ابتداءً بأن مساحة الغياب العربي من الفعاليات الثقافية العالمية أكبر من مساحة الحضور بمفازات عـدة وذلك عائد الى اسباب كثيـرة أهمها غلبة الجانب الاعلامي على الجانب الثقافي في الخطاب المعرفي العربي ، وتوجيه الاهتمام الى الحضور الداخلي المكثف وبلغة متاحة للجميع ،حتى كأن الآخر ( غير العربي ) لايعنينا ، ومن هنا جاءت صورة المشهد الثقافي العربي ومن ورائها صورة العربي نفسه معتمة أو ضبابية في أحسن الحالات ، ومن تتبع دقيق ومتئن لردود أفعال المتلقين الأجانب للفعاليات الثقافية العربية المتاحة يمكن القول أن مقدار معرفتهم بالثقافة العربية ينحصر بالصورة الطريفة المأخوذة عن إيحاءات ألف ليلة وليلة أو في الصورة الكابوسية المنعكسة من الأحداث السياسية الراهنة خصوصاً تلك التي تلت احداث سبتمر وملحقاتها ، وأن الدخول الى نسغ الحياة الثقافية يقتضي خلق آلية جديدة لتقديم الثقافة العربية من خلال بعدها الإنساني القادر على العطاء والإبداع ترافقاً مع مبدعين آخرين من أرجاء المعمورة. ولما كانت الفعاليات العالمية الرئيسة تخضع لإشتراطات عديدة تمس في غالبها جوهر الثوابت العربية في الفكر والممارسة ، كان لابد من خلق فضاء عربي عالمي قادر على إستقطاب الإهتمام الثقافي ولعب دور فعال في توجيه أنظار المبدعين في العالم نحو العرب وحضارتهم.

إن الألفية الثالثة للميلاد لابد أن تشهد رؤية جديدة وطرائق حديثة يطل العالم من خلالها على العطاء الخلاق للفكر والإبداع العربيين بعيداً عن أجواء الإنعزالية والإنغلاق التي يحاول الآخرون تصويرنا بها لأغراض معروفة ويتطوع بعضنا لاثباتها بقصد أو بدونه .

لقد كانت الرؤية الواقعية للحضور المتواضع لمبدعينا في الثقافة العالمية تركز على ضرورة حضورنا كجزء فاعل أساس في الفعاليات العالمية وذلك لا يتحقق إلا من خلق فعالية عربية /عالمية يكون العرب من خلالها قادرين على شد الإنتباه إليهم ليس بصفتهم مبدعين فحسب بل بصفتهم قادرين

على تقييم ثقافة الآخرين وبذلك نتخطى مرحلة الركض وراء إعتراف الآخر بنا إلى مرحلة سعي ذلك ( الآخر ) إلى نيل إعترافنا به من خلال سعيه للمشاركة في فعالياتنا أو من خلال طموحه للفوز بإحدى جوائزنا الثقافية الرصينة وذلك لن يتحقق مادامت السياسة العربية بتجلياتها المتعددة تقحم نفسها في كل الفعاليات ولذا فان على المثقفين العرب أخذ زمام المبادرة في تمثيل الحضارة العربية وعدم تركها للانظمة السياسية

•  لمـاذا المتنبـي ؟

لقد كان أبو الطيب المتنبي أطول القامات في الشعر العربي – الفن الأرقى لدى امة الضاد – وهو يمثل اصلاً إبداعياً لا إختلاف عليه لدى تلك الامة المختلفة كما ان بعده الزمن نسبياً يجعله في منآى عن العصبيات والحزازات الإقليمية والقطريـة ، كما أن شخصيته ونصوصه الشعرية تشكل صورة رائعة لكبرياء المثقف العصي على التدجين ، لهذا ولأنه لابد من إسم عربي للفعالية كان هذا الإختيار .

مهرجان المتنبي الشعري العالمي

يحاول هذا المهرجان استقطاب أكبر الأسماء الإبداعية في عالم اليوم للمشاركة في فعالياته مع حضور عربي متميز ، ترافقه فعاليات عربية / عالمية اخرى ، كما يجري من خلاله تكريم رصين لبعض الأسماء الإبداعية العربية والأجنبية التي قدمت للثقافة العالمية إسهامات كبرى شريطة أن لا تكون تلك الأسماء قد أساءت الى العرب أوحضارتهم أو حقوقهم الوطنية والقومية

لقد جاء إختيارنا لسويسرا البلد المحايد الذي يقع في قلب اوربا لما يشكله من افق مفتوح بعيد عن التأثيرات السياسية أو غيرها وكذلك لتكون الثقافة العربية خير سفير للعرب لدى العالم ، وقد أثبت الدورات ال أربع السابقة من المهرجان وبمشاركة أكثر من 150 شاعر وكاتب ومترجم وممثل وكذلك نجاح تجربة المركز الثقافي العربي السويسري /غاليري الأرض في الأعوام الخمسة المنصرمة ودخوله الى عمق المشهد الثقافي الاوربي والاشارة اليه في كل الصحف وقنوات الاعلام الاخرى في محيطه ان الثقافة العربية لم تكن عمقاً معرفياً في الماضي فحسب بل هي مكون أساس في المستقبل.